عبد الوهاب الشعراني

477

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

بباب الخرق من مصر المحروسة ، وكان في سلسلة فضة وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد العزيز الدريني في منظومته وكان في سنة سبعين وخمسمائة يقول : وقد بدا النّقص في الأحوال أجمعها * وبدّلت صفوة الأوقات بالكدر وقد مررت في سنة سبع وأربعين وتسعمائة على شيخ قد طعن في السن وهو نائم تحت قنطرة الخليج الحاكمي بمصر المحروسة أيام الصيف فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال لي ما اسمك ؟ قلت له عبد الوهاب فقال : لي سنين عديدة ومقصودي لو رأيتك اجلس فجلست عنده فصافحني وقبض على يدي فكدت أن أصيح من عصرها ، فقال لي ما تقول في هذه القوة ؟ فقلت قوة شديدة ، فقال هذه من لقيمات الحلال التي أكلناها في حال الصبا ، فلولا تلك الخميرة لكان جسمنا اليوم كالنخالة من حيث المكاسب وعدم تورع الناس ، ثم قال لي يا ولدي عمري الآن مائة وثلاث وأربعون سنة ، واللّه قد تغيرت الناس ونقصت أديانهم وأماناتهم في هذه الثلاث سنين الأخيرة أكثر مما نقصت أديانهم في المائة وأربعين سنة ، قد صار الآن أخوك وصاحبك كأنه ما هو أخوك وصاحبك كأنه ما هو صاحبك بل ابنك كأنه ما هو ولدك ولا أنت أبوه وانحلت القلوب عن بعضها بعضا ، وتراكمت البلايا ونزلت على الخلائق مع قلة الصبر حتى كثر سخطهم على مقدورات ربهم ، ونقصت بذلك أديانهم وصار الموت اليوم تحفة لكل مؤمن كما ورد فلا يطلب المعيشة في هذا الزمان إلا من حجب عن نقصه ، ثم قال يا ولدي وأنا أوضح لك ذلك في حق صالحي هذا الزمان فضلا عن صالحيه ، فقلت له نعم ، فقال أصلح الصالحين هو أن يقوم من الليل فيتوضأ ويصلي ما كتب له إلى الفجر ثم يصلي الصبح ويشتغل بورده كذلك إلى الظهر ومن الظهر إلى العصر ومن العصر إلى المغرب ، ومن المغرب إلى العشاء ومن العشاء إلى أن ينام . فلو فرضنا سلامته من جميع المعاصي الظاهرة فهل يقدر على سلامته من سوء الظن بأحد من أقرانه أو حساده أو رؤية نفسه عليه في ساعة من الساعات طول عمره ؟ فقلت له هذا بعيد ، فقال لو وضعت عبادة الشخص طول عمره في كفة وسوء الظن بمسلم في كفة لرجح سوء الظن ، فإذا كانت عبادة الصالحين لا تفي بجزء ذنب واحد فكيف بمن عليه ما لا يحصى من حقوق الخلق ا ه ، فقبلت يده وانصرفت رضي اللّه تعالى عنه . فسلم يا أخي أمرك إلى اللّه واسأل اللّه تعالى الصبر على مرارة هذا الزمان فإن البلاء كالسحاب الواقف وأنت كالماشي تحته أو كالسحاب السائر وأنت واقف فلا بد من فراق أحدكما لصاحبه . وقد كان سفيان الثوري رضي اللّه عنه يقول : إنما خاف الأكابر من البلاء لما فيه من السخط لا لذاته ثم يقول : واللّه ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت ؟ لعلي أكفر ولا أشعر .